الشيخ محمد جواد البلاغي

238

الهدى إلى دين المصطفى

قلت : لم يكن داود بهذه الكرامة حدادا ، بل كان ملكا نبيا حباه الله بهذه الكرامة ، وإن بعض السلاطين العظام في هذا القرن من جملة كمالاته أنه ممتاز في عمل النجارة ، وربما يشرف امرأته من عناياته بصناديق صغار بديعة الصنعة للمحابر ونحوها حيث تشرفت بعنايته ، فلا يقال لهذا الشخص الكبير إنه نجار ، فكذا لا يقول أحد إن داود كان حدادا . . . وأما ( إن الله ألان له الحديد ) ، فلا يسمع به سماعا شافيا من أوقر التعصب على القرآن أذنيه . فمن أين يسمع المتكلف ويذعن بذلك ، والحال أن القرآن كلام الله عدوه في تثليثه وطريقة تبشيره ، وأن منقولات اليهود طالما يقول إنها خرافة ، وأما منقولات العرب فهو يتصامم عنها ، فلم يبقى إلا العهد القديم ، وتاريخ الوثنيين القدماء من الغربيين . أما العهد القديم فقد ذكرنا لك قريبا أن سفري صموئيل الأول والثاني لا يمكن أن يكونا من كتابة صموئيل النبي ، لأن أكثر ما ذكر في تاريخ شاول وداود في السفر الأول وجميع تاريخ داود في السفر الثاني إنما كان بعد موت صموئيل النبي ، فهما إذا كتابان نكرتان من أصلهما فضلا عن تلاعب الأيام بهما وتعدد مواليدهما ، فمن هو كاتبهما حتى يقال كتب أو لم يكتب ، ومع ذلك فهو مشغول بحكاية آمنون مع أخته ثار ، وداود مع أوريا وامرأته وابشالوم مع سراري أبيه ، فالأنسب بحال هذين أن لا يذكرا مثل هذه الكرامة لداود . . وأما الغربيون فزيادة على وحشيتهم العامة في ذلك الزمان لم تكن لهم علاقة مع الشرق ولا تردد يذكر . وإنما حدث التردد والارتباط بعد ذلك لليونان والرومانيين بعد قرون متطاولة تزيد على الستمائة سنة . وزيادة على ذلك إن هذه الكرامة مما تنفر منه أصول الوثنية ، فلا يمكن أن تدخل في تاريخ الوثنيين ، ولا تناسبه ، بل لو وقفوا عليها لتصامموا عنها . . فهل تجد ذكرا في تاريخ الوثنيين من المصريين والغربيين لمعجزات موسى الظاهرة بين ألوف من الناس .